Tips Tricks And Tutorials

تابع عبر البريد الإلكترونى:

Widget by condaianllkhir
style="height:105px;width:300px;border:0;" scrolling="no" frameborder="0">

الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

في فضل العشر الأخير من رمضان




في فضل العشر الأخير من رمضان
المجلس الحادي والعشرون :
في فضل العشر الأخير من رمضان
الحمد لله المتفرد بالجلال والبقاء ، والعظمة والكبرياء ، والعز الذي لا يرام ، الرب الصمد ، الملك الذي لا يحتاج إلى أحد ، العلي عن مداناة الأوهام ، الجليل العظيم الذي لا تدركه العقول والأفهام ، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته ، فكل من سواه مفتقر إليه على الدوام ، وفق من شاء فآمن به واستقام ، ثم وجد لذة مناجاة مولاه فهجر لذيذ المنام ، وصحب رفقة تتجافى جنوبهم عن المضاجع رغبة في المقام ، فلو رأيتهم وقد سارت قوافلهم في حندس الظلام ، فواحد يسأل العفو عن زلته ، وآخر يشكو ما يجد من لوعته ، وآخر شغله ذكره عن مسألته ، فسبحان من أيقظهم والناس نيام , وتبارك الذي غفر وعفا , وستر وكفى , وأسبل على الكافة جميع الإنعام ، أحمده على نِعَمِهِ الجسام ، وأشكره وأسأله حفظ نعمة الإسلام .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، عز من اعتز به فلا يضام ، وذل من تكبر عن طاعته ولقي الآثام ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بَيَّنَ الحلال والحرام ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق ، الذي هو في الغار خير رفيق ، وعلى عمر بن الخطاب ، الذي وُفِّقَ للصواب ، وعلى عثمان مصابر البَلا ، ومن نال الشهادة العظمى من أيدي العدا ، وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب وعلى جميع الصحبة والتابعين لهم بإحسان ما غاب في الأفق غارب ، وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
لقد نزل بكم عشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات والأجور الكثيرة ، فيها الفضائل المشهورة والخصائص العظيمة :
* فمن خصائصها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها ، فعن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره )
(رواه مسلم) ، وعنها : قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العَشرُ شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله ) (متفق عليه) ، وعنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم ، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر ) (رواه الإمام أحمد) .
ففي هذه الأحاديث دليل على فضيلة هذه العشر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيه أكثر مما يجتهد في غيره ، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحيي ليله بالقيام والقراءة والذكر بقلبه ولسانه وجوارحه لشرف هذه الليالي وطلبا لليلة القدر التي من قامها إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، وظاهر هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم يحيي الليل كله في عبادة ربه من الذكر والقراءة والصلاة والاستعداد لذلك والسحور وغيرها ، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما أعلمه صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح ؛ لأن إحياء الليل الثابت في العشر يكون بالقيام وغيره من أنواع العبادة ، والذي نفته إحياء الليل بالقيام فقط ، والله أعلم
ومما يدل على فضيلة العشر من هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله فيه للصلاة والذكر حرصا على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة ، فإنها فرصة العمر وغنيمة لمن وفقه الله عز وجل ، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله ، فما هي إلا ليال معدودة ربما يدرك الإنسان فيها نفحة من نفحات المولى فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة ، وإنه لمن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن ترى كثيرا من المسلمين يُمْضُون هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم ، يسهرون معظم الليل في اللهو الباطل , فإذا جاء وقت القيام ناموا عنه وفوَّتوا على أنفسهم خيرا كثيرا لعلهم لا يدركونه بعد عامهم هذا أبدا ، وهذا من تلاعب الشيطان بهم ومكره بهم وصده إياهم عن سبيل الله وإغوائه لهم ، قال الله تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } [ الحجر : 42 ] ، والعاقل لا يتخذ الشيطان وليا من دون الله مع علمه بعداوته له ؛ فإن ذلك مناف للعقل والإيمان قال الله تعالى : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } [ الكهف : 50 ] , وقال تعالى : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ فاطر : 6 ] .
* ومن خصائص هذه العشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها ، والاعتكاف : لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل ، وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال الله عز وجل : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }
[ البقرة : 187 ] ، واعتكف النبي صلى الله عليه وسلم واعتكف أصحابه معه وبعده ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ، ثم اعتكف العشر الأوسط ، ثم قال : " إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة ثم أعتكف العشر الأوسط " ، ثم أتيت فقيل لي : " إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف ) (رواه مسلم) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده ) (متفق عليه) ، وعنها أيضا قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوما ) (رواه البخاري) ، وعن أنس رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ) (رواه أحمد والترمذي وصححه) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه فاستأذنته عائشة فأذن لها فضربت لها خِبَاء ، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت فضربت خباء ، فلما رأت ذلك زينب أمرت بخباء ، فضُرِبَ لها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأخبية قال : " ما هذا ؟ " قالوا : بناء عائشة وحفصة وزينب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " آلْبِرَّ أردن بهذا ؟ انزعوها فلا أراها " ، فنُزِعَتْ وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال ) (من البخاري ومسلم في روايات) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أن الاعتكاف مسنون .
والمقصود بالاعتكاف : انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من مساجده طلبا لفضله وثوابه وإدراك ليلة القدر ، ولذلك ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والقراءة والصلاة والعبادة ، وأن يتجنب ما لا يَعنيه من حديث الدنيا ، ولا بأس أن يتحدث قليلا بحديث مباح مع أهله أو غيرهم لمصلحة ، لحديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب ( أي : لأنصرف إلى بيتي ) فقام النبي صلى الله عليه وسلم معي ) ( الحديث ) (متفق عليه) .
ويحرم على المعتكف الجماع ومقدِّماته من التقبيل واللمس لشهوة لقوله تعالى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }
[ البقرة : 187 ] ، وأما خروجه من المسجد فإن كان ببعض بدنه فلا بأس به لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يُخْرِج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض ) (رواه البخاري) ، وفي رواية : ( كانت ترجِّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه ) ، وإن كان خروجه بجميع بدنه فهو ثلاثة أقسام :
* الأول : الخروج لأمر لا بد منه طبعا أو شرعا كقضاء حاجة البول والغائط والوضوء الواجب والغسل الواجب لجنابة أو غيرها والأكل والشرب ، فهذا جائز إذا لم يمكن فعله في المسجد ، فإن أمكن فعله في المسجد فلا ، مثل أن يكون في المسجد حمام يمكنه أن يقضي حاجته فيه وأن يغتسل فيه ، أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه .
* الثاني : الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه كعيادة مريض وشهود جنازة ونحو ذلك ، فلا يفعله إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه ، مثل أن يكون عنده مريض يحب أن يعوده أو يخشى من موته ، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به .
* الثالث : الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء وجماع أهله ومباشرتهم ونحو ذلك ، فلا يفعله لا بشرط ولا بغير شرط ؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه .
* ومن خصائص هذه العشر أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فاعرفوا رحمكم الله لهذه العشر فضلها , ولا تضيِّعوها فوقتها ثمين وخيرها ظاهر مبين .
اللهم وفِّقْنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا ، وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .




في أسباب النصر الحقيقية



في أسباب النصر الحقيقية
 المجلس العشرون :
في أسباب النصر الحقيقية
الحمد لله العظيم في قَدْره ، العزيز في قهره ، العالم بحال العبد في سره وجهره ، الجائد على المجاهد بنصره ، وعلى المتواضع من أجله برفعه ، يسمع صريف القلم عند خط سطره ، ويرى النمل يدب في فيافي قفره ، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ، أحمده على القضاء حلوه ومره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقامةً لذكره ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالبر إلى الخلق في بره وبحره ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق بما وقر من الإيمان في صدره ، وعلى عمر معز الإسلام بحزمه وقهره ، وعلى عثمان ذي النورين الصابر من أمره على مره ، وعلى علي ابن عمه وصهره ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما جاد السحاب بقطره ، وسلم تسليما .
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
لقد نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة في بدر والأحزاب والفتح وحنين وغيرها ، نصرهم الله وفاء بوعده : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم : 47 ] ، { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ غافر : 51 - 52 ] ، نصرهم الله لأنهم قائمون بدينه وهو الظاهر على الأديان كلها ، فمن تمسك به فهو ظاهر على الأمم كلها { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 9 ] , نصرَهم الله تعالى لأنهم قاموا بأسباب النصر الحقيقية المادية منها والمعنوية ، فكان عندهم من العزم ما برزوا به على أعدائهم أخذا بتوجيه الله تعالى لهم وتمشيا مع هديه وتثبيته إياهم { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [ آل عمران : 139 - 140 ] ، { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [ النساء : 104 ] ، { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 35 ] .
فكانوا بهذه التقوية والتثبيت يسيرون بقوة وعزم وجد وأخذوا بكل نصيب من القوة امتثالا لقول ربهم سبحانه وتعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، من القوة النفسية الباطنة والقوة العسكرية الظاهرة نصرهم الله تعالى لأنهم قاموا بنصر دينه { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 40 - 41 ] ، ففي هاتين الآيتين الكريمتين وعد الله بالنصر من ينصره وعدا مؤكدا بمؤكدات لفظية ومعنوية ، أما المؤكدات اللفظية فهي القسم المقدَّر ، لأن التقدير : والله لينصرن الله من ينصره ، وكذلك اللام والنون في لينصرن كلاهما يفيد التوكيد ، وأما التوكيد المعنوي ففي قوله : { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] ، فهو سبحانه قوي لا يضعف وعزيز لا يذل وكل قوة وعزة تُضَادُّه فستكون ذلا وضعفا , وفي قوله : { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 41 ] , تثبيت للمؤمن
عندما يستبعد النصر في نظره لبعد أسبابه عنده ، فإن عواقب الأمور لله وحده يُغَيِّر سبحانه ما شاء حسب ما تقتضيه حكمته .
وفي هاتين الآيتين بيان الأوصاف التي يُسْتَحَقُّ بها النصر , وهي أوصاف يتحلى بها المؤمن بعد التمكين في الأرض ، فلا يُغريه هذا التمكين بالأشَر والبطر والعلو والفساد ، وإنما يزيده قوة في دين الله وتمسكا به .
* الوصف الأول : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ } [ الحج : 41 ] ، والتمكين في الأرض لا يكون إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده كما قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } [النور : 55 ] ، فإذا قام العبد بعبادة الله مخلصا له في أقواله وأفعاله لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة , ولا يريد بها جاها ولا ثناء من الناس ولا مالا ولا شيئا من الدنيا ، واستمر على هذه العبادة المخلصة في السراء والضراء والشدة والرخاء مكَّنَ الله له في الأرض , وإذن فالتمكين في الأرض يستلزم وصفا سابقا عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له وبعد التمكين والإخلاص يكون .
* الوصف الثاني : وهو إقامة الصلاة بأن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب منه قائما بشروطها وأركانها وواجباتها , وتمام ذلك القيام بمستحَبَّاتها , فيحسن الطهور , ويقيم الركوع والسجود والقيام والقعود , ويحافظ على الوقت وعلى الجمعة والجماعات , ويحافظ على الخشوع وهو حضور القلب وسكون الجوارح , فإن الخشوع روح الصلاة ولبها , والصلاة بدون خشوع كالجسم بدون روح ، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الرجل لينصرف وما كُتِبَ له إلا عُشْر صلاته تُسعها ثُمنها سُبعها سُدسها خُمسها رُبعها ثُلثها نِصفها ) (رواه أبو داود والنسائي ، وقال العراقي : إسناده صحيح .) .
الوصف الثالث : إيتاء الزكاة وآتوا الزكاة بأن يعطوها إلى مستحِقِّيها طَيِّبَة بها نفوسهم كاملة بدون نقص يبتغون بذلك فضلا ورضوانا ، فيزكون بذلك أنفسهم ، ويطهرون أموالهم ، وينفعون إخوانهم من الفقراء والمساكين وغيرهم من ذوي الحاجات , وقد سبق بيان مستحِقِّي الزكاة الواجبة في المجلس السابع عشر .
الوصف الرابع : الأمر بالمعروف وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ والمعروف : كل ما أمر الله به ورسوله من واجبات ومستحبات , يأمرون بذلك إحياء لشريعة الله وإصلاحا لعباده واستجلابا لرحمته ورضوانه , فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , فكما أن المؤمن يحب لنفسه أن يكون قائما بطاعة ربه فكذلك يجب أن يحب لإخوانه من القيام بطاعة الله ما يحب لنفسه .
والأمر بالمعروف عن إيمان وتصديق أن يكون قائما بما أمر به عن إيمان واقتناع بفائدته وثمراته العاجلة والآجلة .
* الوصف الخامس : النهي عن المنكر { وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } , والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها مما يتعلق بالعبادة أو الأخلاق أو المعاملة ، ينهون عن ذلك كله صيانة لدين الله وحماية لعباده واتقاء لأسباب الفساد والعقوبة .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها حتى لا تتفرق بها الأهواء وتتشتت بها المسالك , ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع القدرة { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ آل عمران : 104 - 105 ] ، فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفَرَّق الناس شِيَعًا ، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون ، وبه فُضِّلت هذه الأمة على غيرها { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران : 110 ] ، وبتركه { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 78 - 79 ] ، فهذه الأوصاف الخمسة متى تحققت مع القيام بما أرشد الله إليه من الحزم والعزيمة وإعداد القوة الحسية حصل النصر بإذن لله { وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [ الروم : 6 - 7 ] , فيحصل للأمة من نصر الله ما لم يخطر لهم على بال , وإن المؤمن الواثق بوعد الله ليعلم أن الأسباب المادية مهما قويت فليست بشيء بالنسبة إلى قوة الله الذي خلقها وأوجدها ، افتخرت عاد بقوتها وقالوا : من أشد منا قوة ؟ فقال الله تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ } [ فصلت : 15 - 16 ] ، وافتخر فرعون بِمُلْك مصر وأنهاره التي تجري من تحته فأغرقه الله بالماء الذي كان يفتخر بمثله ، وأورث ملكه موسى وقومه وهو الذي في نظر فرعون مهين ولا يكاد يُبِين .
وافتخرت قريش بعظمتها وجبروتها فخرجوا من ديارهم برؤسائهم وزعمائهم بطرا ورئاء الناس يقولون : لا نرجع حتى نقدم بدرا فننحر فيها الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا ، فهُزِموا على يد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شر هزيمة وسحبت جثثهم جِيَفًا في قليب بدر ، وصاروا حديث الناس في هذا العصر .
لو أخذنا بأسباب النصر وقمنا بواجب ديننا وكنا قدوة لا مقتدين ومتبوعين لا أتباعا لغيرنا ، وأخذنا بوسائل الحرب العصرية بصدق وإخلاص لنصرنا الله على أعدائنا كما نصر أسلافنا , صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }
[ الأحزاب : 62 ] .
اللهم هيئ لنا من أسباب النصر ما به نصرنا وعزتنا وكرامتنا ورفعة الإسلام وذل الكفر والعصيان ، إنك جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الاثنين، 29 يونيو، 2015

في غزوة فتح مكة



في غزوة فتح مكة المجلس التاسع عشر :
في غزوة فتح مكة شرَّفها الله عز وجل
الحمد لله خلق كل شيء فقدَّره ، وعلم مورد كل مخلوق ومصدره ، وأثبت في أم الكتاب ما أراده وسطَّره ، فلا مُؤَخِّر لما قدَّمه ولا مُقَدِّم لما أخَّره ، ولا ناصر لمن خذله ولا خاذل لمن نصره ، تفرَّد بالملك والبقاء ، والعزة والكبرياء ، فمن نازعه ذلك أحقره ، الواحد الأحد الرب الصمد ، فلا شريك له فيما أبدعه وفطره ، الحي القيوم فما أقومه بشؤون خلقه وأبصره ، العليم الخبير فلا يخفى عليه ما أسرَّه العبد وأضمره ، أحمده على ما أَوْلَى من فضله ويَسَّره .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قَبِلَ توبة العاصي فعفا عن ذنبه وغفره ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أوضح به سبيل الهداية ونوَّره ، وأزال به ظلمات الشرك وقَتَّرَه ، وفتح عليه مكة فأزال الأصنام من البيت وطهَّره ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام البررة ، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بلغ القمر بدره وسرره ، وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
كما كان في هذا الشهر المبارك غزوة بدر التي انتصر فيها الإسلام وعلا مناره ، كان فيه أيضا غزوة فتح مكة البلد الأمين في السنة الثامنة من الهجرة ، فأنقذه الله بهذا الفتح العظيم من الشرك الأثيم ، وصار بلدا إسلاميا حل فيه التوحيد عن الشرك ، والإيمان عن الكفر ، والإسلام عن الاستكبار ، أُعْلِنَت فيه عبادة الواحد القهار ، وكُسِرَت فيه أوثان الشرك فما لها بعد ذلك انجبار ، وسبب هذا الفتح العظيم أنه لما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في الحديبية في السنة السادسة ، كان مَنْ أحب أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فعل ، فدخلت خُزَاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وكان بين القبيلتين دماء في الجاهلية ، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة فأغارت على خزاعة وهم آمنون ، وأعانت قريش حلفاءها بني بكر بالرجال والسلاح سرا على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم جماعة منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما صنعت بنو بكر وإعانة قريش لها ، أما قريش فسقط في أيديهم ورأوا أنهم بفعلهم هذا نقضوا عهدهم , فأرسلوا زعيمهم
أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة ، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فلم يَرُدَّ عليه ، ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُفلح ، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح أيضا ، فقال له : ما ترى يا أبا الحسن ؟ قال : ما أرى شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأَجِرْ بين الناس ، قال : أترى ذلك مُغْنِيًا عني شيئا ؟ قال : لا والله , ولكن ما أجد لك غيره . ففعل أبو سفيان , ثم رجع إلى مكة فقالت له قريش : ما وراءك ؟ قال : أتيت محمدا فكلمته فوالله ما رَدَّ علي شيئا , ثم أتيت ابن أبي قحافة وابن الخطاب فلم أجد خيرا , ثم أتيت عليا فأشار علي بشيء صنعتُه أَجَرْتُ بين الناس , قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا : ويحك , ما زاد الرجل ( يعنون عليا ) أن لعب بك .
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمر أصحابه بالتَّجَهُّز للقتال , وأخبرهم بما يريد , واستنفر مَنْ حوله من القبائل وقال : " اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها " , ثم خرج من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل , وولَّى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم , ولما كان في أثناء الطريق لقيه في الْجُحْفَة عمه العباس بأهله وعياله مهاجرا مسلما , وفي مكان يسمى الأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي أمية , وكانا من أشد أعدائه فأسلما فقَبِلَ منهما , وقال في أبي سفيان : " أرجو أن يكون خَلَفا من حمزة " .
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مكانا يسمى مَرَّ الظَّهْرَان قريبا من مكة أمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار , وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وركب العباس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس أحدا يُبَلِّغ قريشا ليخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلبوا الأمان منه ولا يحصل القتال في مكة البلد الأمين ، فبينما هو يسير سمع كلام أبي سفيان يقول لبُديل بن ورقاء : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ، فقال بُديْل : هذه خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة أقل من ذلك وأذل ، فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه فقال : ما لك أبا الفضل ؟ قال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، قال : فما الحيلة ؟ قال العباس : اركب حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ويحك يا أبا سفيان أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! لقد علمت أن لو كان مع الله غيره لأغنى عني . قال : " أما آن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " فتَلَكَّأ أبو سفيان ، فقال له العباس : ويحك أَسْلِمْ فأَسْلَمَ وشهد شهادة الحق .
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون ، فمر به القبائل على راياتها ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره فيقول : ما لي ولها ؟ حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلها فقال : من هذه ؟ قال العباس : هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عُبَادة معه الراية ، فلما حاذاه سعد قال : أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحَلُّ الكعبة ، ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب وأجَلُّها فيهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ورايته مع الزبير بن العوام ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أخبره بما قال سعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كذب سعد ولكن هذا يوم يُعَظِّم اللهُ فيه الكعبة ويوم تُكْسَى فيه الكعبة ) (رواه البخاري من قوله : ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس .) ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُؤْخَذَ الراية من سعد وتُدْفع إلى ابنه قيس , ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا إذا صارت على ابنه .
ثم مضى صلى الله عليه وسلم ، وأمر أن تُرْكَز رايته بالحجون ، ثم دخل مكة فاتحا مُؤَزَّرا منصورا قد طأطأ رأسه تواضعا لله عز وجل حتى إن جبهته تكاد تمس رحله وهو يقرأ : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [ الفتح : 1 ] ، ويُرَجِّعها ، وبعث صلى الله عليه وسلم على إحدى الْمُجَنِّبتين خالدَ بن الوليد وعلى الأخرى الزبيرَ بن العوام وقال : " من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن " ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته ، وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم ، فجعل صلى الله عليه وسلم يطعنها بقوس معه ويقول : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [ الإسراء : 81 ] ، { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [ سبأ : 49 ] (رواه مسلم) ، والأصنام تتساقط على وجوهها ، ثم دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة فإذا فيها صور فأمر بها فمُحِيَت ثم صلى فيها ، فلما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحد الله عز وجل ثم وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ما يفعل ، فأخذ بعِضادتي الباب
وقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وَتَعَظُّمَهَا بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
[ الحجرات : 13 ] , يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } [ يوسف : 92 ] , اذهبوا فأنتم الطلقاء "
 هذه القصة من قوله : ثم وقف على باب الكعبة من زاد المعاد وغيره من كتب السيرة . وكلمة الطلقاء وردت في صحيح البخاري في غزوة الطائف ، قال في فتح الباري : والمراد بالطلقاء - جمع طليق - من حصل من النبي صلى الله عليه وسلم المنَّ عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم ).
ولما كان اليوم الثاني من الفتح قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن الله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب ) (رواه البخاري) ، ( وكانت الساعة التي أحلت فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طلوع الشمس إلى صلاة العصر يوم الفتح ) (رواه أحمد) ، ثم ( أقام صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ولم يصم بقية الشهر ) (رواه البخاري مفرقا) . ؛ لأنه لم ينو قطع السفر ، أقام ذلك لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام وتثبيت الإيمان ومبايعة الناس ، وفي الصحيح : عن مجاشع قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح ليبايعه على الهجرة فقال صلى الله عليه وسلم : " ذهب أهل الهجرة بما فيها ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد ) .
وبهذا الفتح المبين تم نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وعاد بلد الله بلدا إسلاميا أعلن فيه بتوحيد الله وتصديق رسوله وتحكيم كتابه , وصارت الدولة فيه للمسلمين واندحر الشرك وتبدد ظلامه , ولله الحمد ، وذلك من فضل الله على عباده إلى يوم القيامة .
اللهم ارزقنا شكر هذه النعمة العظيمة ، وحَقِّق النصر للأمة الإسلامية كل وقت في كل مكان ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .